القاضي عبد الجبار الهمذاني

158

المغني في أبواب التوحيد والعدل

صلى اللّه عليه ، كانوا أوفر عددا واعتقادهم في الديانات أشد ، فكيف يجوز أن يقال : إنهم لم يجمعوا القرآن ، ولم يحفظوه ، ولم ينقلوه ، مع علمنا باعتقاداتهم أن مزية الرسول ، وعظم حاله في النبوة ، إنما هو لمكان القرآن ، فكيف يصح لهؤلاء الجهال أن يجوزوا الاختلاف في نقله ، والحال ما قلناه ! ؛ ولا وجه يدعو إلى نقل شيء ، إلا وقد حصل في القرآن ما هو أقوى منه ؛ لأنهم قد اعتقدوا فيه أنه دلالة النبوة ، وأن في تلاوته المثوبة العظيمة ، وأن الشرائع لا تصح إلا بها « 1 » ؛ وأنها أدلة الحلال والحرام ، وأن معتمد الدين والإسلام عليها ؛ فيجوز مع ذلك أن لا ينقلوا القرآن ، وهم ينقلون كثيرا من الأخبار ، حتى تعلم باضطرار ، وينقلون المغازي وأخبار الرسول ، وغير ذلك ، من الأحوال والأحكام ؛ وكل ذلك يدل ، من هؤلاء الجهال ، على قلة تأمل ؛ لأن من لا يعرف الأخبار وما يدعو إلى نقلها يعلم أن بعض ما ذكرناه يدعو الجماعة إلى نقله ! فكيف جميعه ! ! . وقد بين شيخنا « أبو علي » رحمه اللّه ، في « مقدمة التفسير » : أن الخلاف لم يقع بين الصحابة في القرآن ، على الحقيقة ، وإنما كان « أبي بن كعب » يعتقد : « أن سورتي القنوت » ، من حيث علمهما رسول اللّه ، صلى اللّه عليه ، وكان يقرؤهما في صلاته ، مما ينبغي أن يثبتا في المصحف ، لأن ما أنزل على الرسول عليه السلام قد يكون قرآنا ، وغير قرآن ، وللقرآن حكم في التلاوة ، وفي العبادات ليس لغيره ؛ وإنما اختلفوا فيهما على هذا الوجه . وقد كان عبد اللّه بن مسعود يقول في المعوذتين : إن اللّه تعالى أنزلهما على نبيه ، عليه السلام ، وأنه كان يتلوه ، لكنه لا يجب أن تثبتا في المصحف ؛ وقال غيره : هو من القرآن ، ويجب أن يثبت معه في المصحف ؛ وليس ذلك باختلاف

--> ( 1 ) كذا في كل من « ص » و « ط » .